ابن الجوزي
312
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
بنفسها - فنظر في المرآة ، فالتقى وجهه ووجهها في المرآة ، فرأى شبابها وجمالها ، ورأى الشيب في لحيته قد ألحقه بالشيوخ ، فرفع رأسه إليها ، فقال : الحقي بأبيك . فانطلقت حتى دخلت على أبيها فأخبرته ، فقال : وهل تطلق الحرة . قالت : ما أوتي من قبلي ، وأخبرته خبرها ، فأرسل إليه فقال : أكرمتك بابنتي ثم رددتها عليّ . قال : إني أخبرك عن ذلك ، إن الله تبارك وتعالى من عليّ بفضله ، وجعلني كريما لا أحب أن يتفضل عليّ أحد ، وإن ابنتك أعجزتني مكافأتها لحسن صحبتها ، فنظرت فإذا أنا شيخ وهي شابة ، لا أزيدها مالا إلى مالها ، ولا شرفا إلى شرفها ، فرأيت أن أردّها إليك ، فتزوجها فتى من فتيانك كأن وجهه ورقة مصحف . أخبرنا محمد بن أبي منصور قال : أخبرنا الحسين بن أحمد بن محمد الثعالبي قال : أخبرنا أبو سهل محمود بن عمر العكبريّ قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن الفرج بن أبي روح قال : أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال : حدّثني محمد بن عباد بن موسى العكلي قال : حدّثنا الحسن بن علي بن زبان قال : حدّثني سفيان بن عبدة الحميري وعبيد بن يحيى الهجريّ قالا : خرج إلى عبد الله بن عامر بن 128 / أكرز وهو عامل العراق لعثمان بن عفان [ 1 ] / رجلان من أهل المدينة ، أحدهما : ابن جابر بن عبد الله الأنصاري ، والآخر : من ثقيف ، فكتب إلى ابن عامر فيما يكتب من الأخبار ، فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي : هل لك في رأي رأيته : قال : اعرضه . قال : رأيت أن أنخ رواحلنا [ 2 ] ونتناول مطاهرنا ، فنمس ماء ، ثم نصلي ركعتين ونحمد الله على ما قضى من سفرنا . قال : هذا الَّذي لا يرد ، فتوضيا ، ثم صليا ركعتين ، فالتفت الأنصاري إلى الثقفي فقال : يا أخا ثقيف ، ما رأيك ؟ قال : وأي موضع رأي هذا ، قضيت سفري ، وأنضيت بدني ، وأنضيت راحلتي [ 3 ] ، ولا مؤمل دون ابن عامر ، فهل لك رأي غير هذا ؟ قال : نعم ، إني لما صليت هاتين الركعتين فكرت فاستحييت من ربي تبارك وتعالى أن يراني طالبا رزقا من غيره ، اللَّهمّ ارزق ابن عامر وارزقني من فضلك . ثم ولَّى راجعا إلى المدينة ، ودخل الثقفي البصرة ، فمكث
--> [ 1 ] في ت : « عثمان » بإسقاط ابن عفان . [ 2 ] في ت : « أن ننخ رواحلنا » . [ 3 ] في الأصل : « انضتني راحلتي » .